Article

Primary tabs

الحوكمة الرشيدة في الإدارة العامة - بقلم: د. فيصل طالب

الحوكمة أو الإدارة الرشيدة هي مجموعة القواعد والضوابط والقرارات والآليات والإجراءاتالتي تحكم إدارة الدولة بكفاءة وفعالية لمواردها البشرية والمالية والاقتصادية، على قاعدة تطوير هذه الموارد وإغنائها، وتحديث القوانين والأنظمة الإدارية، وتوسيع المشاركة في صناعة القرارات، وتحسين مستوى الأداء الوظيفي، وضمان جودة الخدمات المقدّمة للمواطنين وحفظ حقوقهم، وتمكينهم من الوصول إلى المعلومات الإدارية والمالية، وتعزيز قدرات الرقابة والمحاسبة وتصويب المسارات، وذلك لترسيخ مفاهيم الشفافية وتعزيز الإنتاجية وتحصين النتائج ضد كل أشكال الهدر والفساد، في الطريق إلى تحقيق التنمية المستدامة للمجتمعات.
 
لم يشهد لبنان، منذ آخر محاولة جادة للإصلاح الإداري في العام1959 ، أيّة اختراقات حقيقية في جدران العقم التنموي المستمر، أو أيّة معالجة شافية لحالة التصلّب القائمة في شرايين الإدارة اللبنانية؛ وذلك على الرغم من أنّ البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال إلى اليوم كانت تتضمّن فقرات أساسية حول الإصلاح الإداري، وإظهار النوايا بمكافحة الفساد وتحديث الإدارة.غير أنّ حساب بيدر البيانات الوزارية لم يطابق حساب حقل الإدارة العاصية على كل إصلاح، في غياب القرار السياسي الحقيقي والجذري والحاسم بالتصدّي الفعّال لهذا الواقع، والشروع بعملية التنمية الإدارية من مختلف الجوانب التي تخدم سيرورتها بنجاح وفاعلية، ليستقرّ الأمر في هذا السياق على بعض المحاولات “الإصلاحية”الموسمية السطحية أو المبتسرة التي لم تصل إلى مستوى طموح اللبنانيين في هذا المجال.
 
إن المفهوم الحديث للإدارة العامة، من حيث إنها تتكفل حفظ حقوق المواطنين ومصالحهم، وتقديم الخدمات لهم بأقصر وقت وأقل كلفة وأفضل جودة، من جهة، وتحقق مصلحة الدولة، وتيسّر تأدية واجباتها التنموية، من جهة ثانية، يقتضي، في ضوء مفاهيم الحوكمة الرشيدةالتي يشكّل الإصلاح الإداري رأس الحربة فيها، أن ترسي هذه الإدارة علاقات جديدة بينها وبين المواطنين، أساسها الثقة والإفصاح والشفافية والنزاهة في استخدام السلطة الإدارية، وعلى قاعدة تقوية الضوابط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية  للأعمال الإدارية، وتعزيز ثقافة محاربة الفساد، ومواكبة التطوّرات في العلم الإداري، وإنشاء بنية تشريعية للحكومة الإلكترونية مترافقة مع مراجعة الأنظمة الإدارية والإجراءات التنفيذية  لتتلاءم ومتطلبات الحوكمة في هذا النطاق، وإقامة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وتطوير الأنظمة الخاصة بالهيئات الرقابية، وبخاصة لجهة إقرار إلزامية التوصيات الصادرة عنها للجهات الإدارية المختصة؛ إذ لا يجوز وضع الجهود الكبيرة التي يبذلها التفتيش المركزي، في سياق رقابته الإدارية والمالية والفنية على الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات، وتصدر عنه بصورة توصيات، في دائرة القرارات غير الملزمة، وإن كانت الإدارة المعنية ملزمة بتبرير عدم التقيّد بها .
إنّ الأهداف المتوخّاة من الحوكمة الرشيدة في القطاع العام لا يمكن لها أن تقتصرعلى تسريع المعاملات وتبسيطها وإتاحة المجال لأصحاب العلاقة لتعقّبها وتبيّن مآلها، وتحقيق مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين، من خلال وضع قواعد البيانات العائدة لكل إدارة في متناولهم، وتعريفهم بمسؤوليات القائمين بالوظائف الإدارية وواجباتهم، وبالحقوق المتوجّبة لهم على الإدارة، وبالقواعد والأصول المتبعة لإنجاز معاملاتهم واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها، بل تتعدّى ذلك إلى تنمية القدرات الإدارية، واعتماد مؤشرات علمية لقياس مستوى الأداء والإنتاجية، وابتكار سبل جديدة مطعّمة بخبرات وتجارب رائدة وناجحة في دول  أخرى لدعم التطوّر الإداري، وجعل الإدارة العامة، بالقول والفعل، الوجه الأقرب للدولة إلى مواطنيها؛ بحيث تكون غايتها الوحيدة خدمة هؤلاء وتحقيق المصلحة العامة. ولعلّ تفعيل أجهزة الرقابة الإدارية والمالية والفنية يشكّل في هذا السياق حجر الزاوية في تدعيم الحوكمة الرشيدة في الإدارة العامة، من غير أن نهمل الأطر التسلسلية للرقابة الداخلية التي لابدّ أن ترتكز على مبادئ حسن اختيار الموظفين، والقيادات الإدارية من بينهم بوجه خاص، وفقاً لأعلى معايير الكفاءة والجدارة، وإخضاعهم للتدريب المستمر، وربط تدرّجهم وترقيتهم وترفيعهم ومكافأتهم بتقارير تقييم الأداء.
لقد أصبح تطبيق مبادئ الحوكمة في الإدارات العامة الطريق القويم لضمان التحسّن المستمر في الأداء، ورفع مستويات الجودة للخدمات العمومية، ومنع الهدر ومكافحة الفساد، واعتماد التدقيق Auditingفي النظام الإداري لتشخيص أسباب النكوص والتراجع في الإنتاجية واجتراح الحلول المناسبة للتصويب والتصحيح، ووضع  الضوابط الوقائية لتلافي وقوع الأخطاء أو تكرار حدوثها…
 
إن تحقيق الأهداف الأساسية للحوكمة، بكونها عملية ترشيد وطنية للموارد البشرية والمادية، لا تقتصر فوائده على النطاق الإداري المحض، بل إنّ اتسام الإدارة بالثقة والمصداقية والشفافية والجدوى يؤدّي على المستوى الاقتصادي إلى تنمية الاستثمار، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز مناخات التنمية في كل القطاعات؛ الأمر الذي يفتح الأبواب على سائر عناصر التنمية المستدامة، لتتواصل تواصلاً جدليّاً فتتبادل فيما بينها مفاعيل التأثّر والتأثير؛ وهو ما يشدّ من أزر الصلابة الوطنية، ويقوّي روابط الإنتماء للأرض والوطن، على قاعدة أنّ "النماء يعزّز الإنتماء".
 
 
                                                     بقلم:  فيصل طالب
                                          المدير العام السابق لوزارة الثقافة

Back to Top