Article

Primary tabs

الذكرى السنوية الأولى لرحيل الدكتور عبد المجيد الرافعي: حديث عن مآثر الراحل

أقامت لجنة إحياء الذكرى السنوية الأولى لرحيل النائب الدكتورعبد المجيد الرافعي مهرجانا خطابيا في فندق "كواليتي- ان" بطرابلس بحضور وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال محمد كبارة ممثلاً رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس حكومة تصريف الأعمال الرئيس سعد الحريري، الرئيس نجيب ميقاتي، الدكتور خالد زيادة ممثلاً الرئيس فؤاد السنيورة، النواب سمير الجسر، جان عبيد، نقولا نحاس، علي درويش، الوزراء والنواب السابقين أحمد فتفت، رشيد درباس، احمد الصفدي ممثلا الوزير السابق محمد الصفدي، الدكتور مصطفى علوش، كاظم الخير، الدكتور سعد الدين فاخوري ممثلاً الوزير السابق أشرف ريفي.

كما حضر الإحتفال مفتي طرابلس والشمال الدكتور الشيخ مالك الشعار، الاب بشارة عطاالله ممثلا متروبوليت إفرام كرياكوس مطران طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأرثوذكس، راعي أبرشية طرابلس للروم الملكيين المطران إدوار ضاهر، الشيخ محمد حيدر من الطائفة العلوية،الدكتور صفوح يكن ممثلا رئيس بلدية طرابلس المهندس أحمد قمر الدين، رئيس بلدية الميناء عبد القادر علم الدين، نائب رئيس المجلس الدستوري القاضي طارق زيادة، نقيب المهندسين المهندس بسام زيادة، نقيب الأطباء الدكتور عمر عياش، المحامي عبد السلام الخير ممثلا نقيب المحامين عبد الله الشامي، الإعلامي احمد درويش ممثلا نقيب المحررين الياس عون، السيد توفيق سلطان، وأعضاء لجنة إحياء الذكرى وحشد من ابناء طرابلس والشمال. وفي الإفتتاح النشيد الوطني اللبناني وكلمة تقديم من الدكتور بشير مواس.

ثم ألقى الرئيس نجيب ميقاتي كلمة قال فيها: ""بعض الناس يمتلكون في غيابهم حضوراً آسراً وكأنهم لم يرحلوا، وتبقى شعلة عطاءاتهم ومآثرهم ماثلة عند كل محطة وإستحقاق. والدكتور عبد المجيد الرافعي الذي نحيي اليوم ذكراه الاولى، حفر إسمه في سجل الخالدين وله في كل محطة قومية ووطنية مأثرة، وفي كل وقفة إنسانية بصمة. ونحن نقف اليوم، بعد عامٍ من غياب ابن مدينتنا إبن المهاترة والرفاعية، نستذكر سيرته الطيبة على المستوى الشخصي والإنساني والسياسي، عطرها كعطر زهر الليمون الطرابلسي، يترك أثرًا في كل النفوس.

لم يكن عبد المجيد الرافعي الا نموذجًا يحتذى ومدرسة تعلّم منها كثيرون وسيتعلم منها كثيرون ايضا. طبيب داوى الناس بالمحبة قبل الدواء، وسياسيٌ آمن بمبادئ العروبة الخالصة حتى آخر نفس، وإنسانٌ لم يتجرد من انسانيته حتى في اصعب الظروف وأدقها، فلك أيها الشامخ في عليائك الف تحية والف دعاء أن يتغمدك المولى بواسع رحمته وهو الرحيم المجيب. ولزوجتك الفاضلة ورفيقة دربك السيدة ليلى بقسماطي كل التحية والتقدير وهي الحريصة على ابقاء دارك ملتقى لكل اطياف المجتمع لمنافشة كل الهموم والشجون وابقاء الصوت عاليا صونا للحق ودفاعا عنه ".

وأضاف: "يا حكيم المدينة، عندما كنا نخوض، رفاقي وأنا، الإنتخابات النيابية الأخيرة، كُنتَ على الدوام، حولنا، نستذكر كيف كنت تخوض المعارك السياسية بكبر، نستذكر كيف كنت تخاصم بشرف وصلابة وتترفع عن كل الأمور الشخصية.

لقد خضنا الإنتخابات لإستعادة الدور المرتجى لمدينة كانت على الدوام عاصمة ذات دور، واليوم، بعدما حصدنا ما حصدنا من مقاعد، بتنا اقرب الى تفعيل دورها و إطلاق العجلة الإنمائية فيها بالتعاون مع كل المخلصين الذين يتطلعون معنا الى الهدف الوطني ذاته.

نحن لا نتطلع الى مدينتك ومدينتنا، كجزيرة معزولة، بل نتطلع الى دورها اللبناني وحضورها الوطني ورسالتها النموذجية ونحن الأحرص على التواصل مع كل المكونات السياسية اللبنانية لإستنهاضها وإستعادة دورها السياسي والإقتصادي و الثقافي بل والحضاري. وعلى الجميع أن يتفهموا ضرورة تحصين المدينة من الفقر والتطرف والتسرب المدرسي والبطالة والعوز، لأن اية مشكلة في اي مدينة او قرية في لبنان تنعكس على واقع البلد كله ومستقبله. من هنا، بدأنا مع كتلة الوسط المستقل بتعميم "الكتاب الأبيض" الذي أعده خيرة من خبراء المدينة على كل المراجع الوطنية والدولية وباشرنا التواصل مع البنك الدولي ومنظمة الإسكوا والصناديق العربية لوضع خارطة بمشاريع للتنفيذ وعسى أن نتمكن من تحقيق ما نصبو اليه في وقت قريب."

وقال: "إن طرابلس، أيها السادة، متحف ٌ بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ومن خلال ترميم "جمعية العزم والسعادة الاجتماعية" للسوق العريض تمكنا من لفت النظر الى امكانية ترميم الكثير من الاحياء في المدينة وازاحة الغبار عن لؤلؤة البحر الأبيض المتوسط. ونحن، ومن خلال إمكانات الجمعية، سنركز في المستقبل القريب على هذا الجانب وعلى التعليم ايضا، كما تعهدنا خلال الحملة الإنتخابية ، لأن نهضة الأمم لا تكون الا بالعلم والمعرفة والحفاظ على التراث وصيانته وبحفظ رسالة طرابلس لكل الأجيال القادمة، وانا لها لحافظون بإذن الله وبرؤيتك ونضالك ودعاء اجدادنا واهلنا الذين سبقونا وأوصونا بالمدينة وأهلها خيرًا، وبذلك نفي فقيدنا الكبير ومن سبقونا بعض حقهم في حبِ هذه المدينة وهذا الوطن الغالي.

وتطرق الى الوضع الاقليمي فقال: يتصاعد الحديث عن صدامات إقليمية واستهدافات للمنطقة على كل المستويات العسكرية والإقتصادية والسياسية، وكلكم سمعتم عن صفقة العصر التي ظهرت بوادرها في افتتاح الولايات المتحدة الأميركية لسفارتها في القدس، والقدس كانت وستظل بالنسبة إلينا، كما كانت بالنسبة الى الفقيد وكل العرب، عاصمة المؤمنين، مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم ومهد السيد المسيح عليه السلام، بل نقطة تلاقي كل الرسالات السماوية وعاصمة فلسطين التي من أجلها ناضل العرب من المحيط الى الخليج وستظل بل هي هوية حضارية وثقافية ننتمي اليها وكم نتمنى أن يصطلح حال العرب وتتوحد رؤيتهم من أجل حماية المنطقة وأهلها ومن أجل تعزيز اواصر الأخوة بينهم وحماية مصالحهم المشتركة".

وتابع: "إن لبنان يحتاج اليوم الى تحصين وضعه الأمني والإقتصادي والسياسي، ولذلك عمدنا بعد الإنتخابات الى تجاوز ما حصل فيها من شوائب وصراعات ومددنا يد التعاون الى كل القوى السياسية لتجاوز المرحلة الشديدة الصعوبة التي نعبرها، معلنين في الوقت ذاته تمسكنا باتفاق الطائف الذي كان للراحل دور اساسي فيه وفي بلورة العديد من البنود التي تم اقرارها، وهو القائل "لقد أثبت لبنان عروبة هويته وكرس انتماءه في مؤتمر الطائف الذي شاركنا فيه بكل فعالية"، منتقدا في الوقت ذاته عدم تطبيق العديد من بنود الاتفاق لا سيما لجهة إقرار اللامركزية الإدارية الموسعة، والهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، وانتخاب مجلس النواب خارج القيد الطائفي، إضافة إلى إنشاء مجلس الشيوخ الذي تمثل فيه العائلات الروحية اللبنانية". وما اجتماعنا الأخير كرؤساء حكومات سابقين مع رئيس الحكومة المكلف الا لتكريس وتأكيد ما نص عليه اتفاق الطائف من صلاحيات ودور لرئيس الحكومة ومقام رئاسة مجلس الوزراء".

أضاف: "لقد كان طموح اللبنانيين في وثيقة الوفاق الوطني وتكريسها في التعديلات الدستورية، أن تُشكِلَ نقلةً نوعية مُتَقَدِمَة نحو دولة أقل إنعكاسًا حادًا للتوازنات الطائفية. لكن ما يجري على أرض الواقع هو عودة إلى الوراء، اذ ارتبطت المؤسسات العامة للمجتمع اللبناني أكثر فأكثر بالإطار الطائفي او المذهبي، ولم تمتلك الدولة حيزًا أكبر من الإستقلالية عن القوى الطائفية والمذهبية، بل إرتهنت لها بشكل شبه كلي .وإننا نشهد فصلا جديدا من هذه القوقعة في عملية تشكيل الحكومة، فباتت كل وزارة حكرا على طائفة او جهة، وتوغلنا اكثر فاكثر في القوقعة المذهبية والطائفية".

وختم قائلاً إنّ "حال التأزم في تأليف الحكومة يستدعي من الجميع إيجاد المخارج، فلبنان لا يملك ترف الجدل في الوقت الذي تستعصي فيه المشاكل الإقتصادية والمالية وتشتد الرياح العاتية حولنا. فليتقي الجميع الله بهذا البلد وليعملواعلى معالجة المشاكل الكبرى وما أكثرها، و نحن من جهتنا سنبقي على يدنا مفتوحة عسى ان تلاقي أياد مفتوحة وقلوبا تحمل الحب لمصلحة لبنان وعقولا قادرة على إجتراح الحلول لمشاكلنا".

الجسر

وألقى النائب سمير الجسر الكلمة التالية: "يشرفني أن ألتقي بكم جميعاً في هذه الأمسية وبمناسبة الذكرى الأولى لغياب الأخ المناضل والنسيب والقريب الدكتور عبد المجيد الرافعي،هذا الرجل الذي ملأ طرابلس ودنيا العرب حباً ونضالاً ومصداقية وإندفاعاً ومبدئية وإخلاصاً مما قلَّ نظيره. ولا غرْوَ، فالدكتور عبد المجيد الرافعي هو إبن تلك الدوحة الكريمة التي يتصل نسبها بسيدنا عمر بن الخطاب الخليفة الراشد، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، الذي الى جانب فتوحاته التي عمت كامل العراق ومصر وليبيا والشام وفارس وخراسان وشرق الأناضول وجنوب أرمينيا والقدس، كان قاضياً خبيراً إشتهر بعدله وإنصافه الناس من المظالم سواء كانوا مسلمين أو غير المسلمين حتى لقب بالفاروق… وإذ كان يكفي أيٌ من آل الرافعي فخراً هذا النسب العظيم الا إن هذه الدوحة الكريمة … الا أن آل الرافعي وعلى مدى تاريخهم أضافوا لمجدهم مجداً جديداً متمثلاً بالعلم والتقى والصلابة والورع ولأنهم كانوا يعلمون تماماً أنه ما من شيء ولا حتى نسبهم العظيم يغني عنهم من الله شيئاً… فقد طلبوا العلم ونشروه في كل الأمصار فكان منهم العلماءُ والقضاة والشعراء والأدباء والربانيون".

وتابع: "من هذه الدوحة الكريمة، ومن صُلب المجاهد الشيخ محمد الرافعي رحمه الله، والمعروف بتقواه وصلاحه وصلابته، خرج الدكتور عبد المجيد الرافعي الى هذه الدنيا، محافظاً على إرث العائلة وشرفها، ووَرَع البيت الذي تربى في كنفه، ليبدأ نضاله وفق لغة العصر بالمشاركة في تظاهرة وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره تأييداً لثورة الضباط الوطنيين في العراق وفي وجه الإنكليز وليشارك بعد سنتين في تظاهرة الإستقلال التي دفعت فيها طرابلس ثمناً كبيراً. كلما خطر ببالي الدكتور عبد المجيد الرافعي وكلما ذُكِرَ في مجلس تقفز الى خاطري صورٌ عن محطات زمنية لا تغيب قط عن بالي.

وأولى الصور صورة النسيب الذي كان يحظى بمحبة خاصة من والدي رحمه الله. كان والدي يتمسك بصلة الرحم مع كل أهله من أعمام أو خؤولة أو عمات أو إخوة وأبنائهم جميعاً… وكان يَحُضُنا على التمسك بصلة الرحم بمحاولات عملية لا مجال لذكرها الآن، وكان من ضمن حبه لأهله، حبُه لعمته إم سليم ولأبناء وبنات عمته وأولادهم لدرجة أنه كان يحفظ تواريخ ميلادهم وتواريخ ميلاد أبنائهم ومن ضمن ذلك كان بالطبع يحفظ فيما يحفظ تاريخ ميلاد الدكتور عبد المجيد. كنت أعجب لهذه الذاكرة، ولكني كنت أعجب أكثر لهذا الإهتمام النابع أصلاً من تمسك والدي بصلة الرحم، ولكني كنت أعرف أيضاً بأنه كان يميّز الدكتور عبد المجيد بمحبة خاصة لأنه كان يرى فيه رجلاً شجاعاً ومقداماً وأملاً للمدينة وللبلاد وإضافة لكونه رجل علم وثبات وعمل…

ومن الصور التي طُبعت في ذاكرتي صورٌ تعود الى مرحلة النضال القومي بكل رومانسيته السياسية وتحديداً زمن حركة التحرر العربي وزمن الوحدة (مصر وسوريا). كانت المظاهرات تخرج من كل أنحاء المدينة، ومن الأسواق والأحياء الشعبية، لتأخذ مسيرَتَها الى باحة الجامع المنصوري الكبير، المحطة الالزامية لكل تجمع شعبي، سواء كان الدافع مناهضةً الظلم والإستبداد، أو تأيداً لحركة التحرر العربي من عدن الى الجزائر وما بينهما، أو لتأييد الوحدة العربية بين مصر وسوريا التي كنا نرى فيها واسطة العقْد الذي سيجمع العرب ويعيد للأمة مجدها وتقدمها… وكانت هذه المظاهرات يصادف توقيتها ظهراً ووقت خروجنا من مدرسة الفرير ، وكانت هذه التظاهرات تمر من تحت عيادة الدكتور عبد المجيد الرافعي في السرايا العتيقة، ويخرج الحكيمُ اليها بكلمة من على شرفة العيادة ليعود وينخرط فيها الى آخر المسار. من دون أن أنسى مهرجانات ذكرى الوحدة التي كان يقيمها الحزب تارة في سينما روكسي وطوراً في سينما كابيتول وكان أشهر فرسانها ثلاثة: الشاعر سليمان العيسى، الذي كان بقصائده والقائه يلهب العقول والقلوب وجبران مجدلاني الذي كان بجرأته وسخريته يُقِّرع الإستعمار والرجعية العربية ليختمها الدكتور بكلمة رصينة لا تخلو من الحماس والإندفاع، تعبر عن كل التوجه القومي وتبعث الأمل في النفوس بمستقبل الأمة.

كانت التظاهرات تضم الكل، وأعني الكل، من كل المذاهب والطوائف، لم تكن قد تسللت الينا أوبئةُ الطائفية والمذهبية ولم نكن قد إبتُلينا بالحركات الشعوبية، ولم نكن قد خوّنا بعضنا بعضاً ولم يكن بعضنا قد كفّر بعض، كنا ننعم بصفاء جذوره في تراثنا المعتدل المنفتح والمقاوم في آن، كنا نقدم مصالح الأمة على ما عداها،

بعد خوضه إنتخابات العام 1957 قرن الدكتور عبد المجيد العمل السياسي بالعمل الإنساني وسخّر علمه الطبي لخدمة الفقراء ، فكان لا يخيّب طلباً أبداً حتى سمي عن حق طبيبَ الفقراء، ولا شك أن المناخ القومي والجو الوحدوي والعمل النضالي والعمل الإنساني الذي طاول كل الفقراء ومعظم الطبقة الوسطى قد فعل فعله وأسهم في خلق جو تغييري لصالح الدكتور الذي رأى الناس فيه الشاب الديناميكي العروبي الآدمي إبن الأوادم الذي يمثل أصالة المدينة في وجه الحاشية، المتجاوزة لطبائع أهل المدينة والتي تُضر بكل ذي سلطان.

خاض الدكتور إنتخابات 1960… ونام الناس على نجاح عبد المجيد ليستيقظوا على إعلان عدم نجاحه. وأنبلُ تعبير قرأته عن لسان الحكيم في إحدى المقابلات بهذا الخصوص أنه "حرم من النيابة في العام 1960 لمصلحة صديقه الرئيس أمين الحافظ". طبعاً في ذلك الحين كانت الأحزاب القومية والأممية ممنوعة في لبنان، وكفى بذلك قيلا.

لكن الدكتور تابع نضاله حتى فاز في إنتخابات العام 1972 متقدماً على أول الفائزين من بعده بما يزيد عن /500/ صوت. إن ظاهرة فوزه في ذلك الحين بحاجة الى دراسة متأنية لأنها تكشف عن ميزان سياسي عند أهل طرابلس ودقة في الإنتقاء بعيداً عن ردود الفعل والتشفي. ولم يؤثِّر فوزُه في الإنتخابات على تواصله مع الجماهير بل على العكس، أشرك الدكتور عبد المجيد اللجانَ الشعبية في الأحياء بمتابعة حاجات الناس وشؤونهم في الإدارات العامة والبلدية بخاصة.

لقد شابت ولايةَ المجلس النيابي، الذي ضم الدكتور عبدالمجيد، أزمةٌ سياسيةٌ أدخلت لبنان في حرب أهلية لم تخلو من بعد طائفي. لكن الدكتور عبد المجيد الذي كان من مؤسسي الحركة الوطنية التي خاضت الحرب في ماسمي في ذلك الحين بوجه الإنعزال السياسي، ومع دعمه الكامل لجبهة التحرير العربية لم ينغمس الحكيم في وحول القتال الطائفي… بل أن الكل يشهد له بأنّه إستخدم أصدقاءه في الكفاح المسلح وفي جبهة التحرير العربية لرد الأذى عن كل الأوادم من كل الأديان والمذاهب ومن كل المناطق الذين تعرضوا لأطماع المتطفلين على العمل النضالي.

ومع تطور أمور الحرب الأهلية بمدها وجزرها، إضطر الدكتور عبد المجيد لترك المدينة مرتين مرة أثر حرب عرفات والأخرى في عام 1990… وفي المرتين سافر الدكتور عبد المجيد الى العراق تاركاً قلبه في طرابلس، وكان الدكتور في العراق ملاذاً لكل هارب من جحيم الحرب والصارعات السياسية وتهديداتها وأخطارها. كما كان عوناً لكل صاحب حاجة أو طالب علم أو تاجر يسعى للرزق الحلال. لقد خدم الدكتور عبد المجيد الكثير من أهل لبنان ومن أهل طرابلس بالذات من دون أن يُمَنِّن أو يستكبر أو يدخل في شراكة. ولم يحرُم الدكتور من تقدماته حتى بعض الذين غُرِّرَ بهم من الذين شاركوا عن جهل في حرق دارته. وعاد الدكتور الى طرابلس في العام 2003 بعد إحتلال العراق الذي كان مقدمة لكل الأزمات التي تعصف اليوم بالمنطقة والتي تتهددها في جغرافيتها وكياناتها.

عاد عبد المجيد من دون أن يفقد الأمل ولو للحظة واحدة بالأمة وبالعروبة وبكل ما آمن به… وعاد ليحصل على ترخيص لحزب طليعة لبنان العربي الإشتراكي لأنه كان يؤمن بالعمل الجَمَاعي والأطر التنظيمية، وكان يؤمن بأن هذا الذي تعيشه الأمة لا يخرج عن كونه مخاضاً عسيراً لولادة فجر جديد.

عبد المجيد الرافعي تختلف معه؟ نعم! لكنك لا تستطيع الا أن تحترمه، تحترم فيه الرجل المقدام، تحترم فيه الواعي للمخاطر التي تهدد الأمة والبلاد، تحترم فيه الرجل الذي يعمل حتى الرمق الأخير لما يؤمن به. عبد المجيد الرافعي يصدق فيه قول الشاعر معروف الرصافي: وخيرُ الناسِ ذو حسبٍ قديم/ أقام لنفسه حسباً جديداً.

عبيد

وألقى النائب جان عبيد الكلمة التالية: ما كنت أحسبني يوما أني سأقف في ذكرى تأبين عبد المجيد الرافعي ووداعه، والواقع أننا اليوم في حفل إنصافه وتخليده على شرفة البقاء الدائم أكثر مما نحن في التأبين أو التوديع. الحكيم الطيب عبد المجيد محمد الطيب الرافعي، باغتنا ورحل مفاجئا على غير عادة وهو الذي ما فارق في حياته صديقا أو رفيقا أو حبيبا بلا وداع أو إستئذان. والحفل اليوم ليس لإستحضاره فهو ما فارق الحضور ولا لإستعادته فهو حي يضجّ بالحياة.

لقد عرفت هذا الحكيم الآدمي وأرملته المناضلة الراقية الدكتورة ليلى وإخوانه وصهره ومحبيه ورفاقه منذ ما يفوق نصف القرن. وكان فيه دائما القائد والقدوة والرمز للتجدد والتجرد والمواطنة والعروبة والحس الإنساني والسلوك العلماني والرفعة المشهودة والوداعة المتواضعة على كبر ونذر النفس للفقراء والمعوزين قبل سواهم من الأغنياء أو الأقوياء. كان بالنسبة إلي شخصيا رجلا نبيلا وصديقا وصادقا وصبوحا في الخلق والخلق ولمدى طويل ومديد. وعندما أتحدث عن الدكتور الحكيم الحليم فإنما أتحدث عما يقارب ثلثي القرن وأتكلم عن كوكبة من إخوانه ورفاقه ما زالوا يضجون في الوجود والوجدان من أحمد الصوفي إلى نعيم فهمي، وحاتم شاهين وهشام زمرلي وخالد العلي وخاصة نقولا الفرزلي وجهاد كرم وسواهم. ومع أني لم أنتسب في حياتي إلى أي حزب فإن الصلات مع عبد المجيد كانت من بعيد أبقى وأحن مما تكون بين رفاق يترافقون ثم يفترقون فضلا عن أنهم قد يختلفون ويتغاضبون ويتقاتلون ويقتتلون كذلك.

والأمر ما سرى أبدا على أخلاق عبدال مجيد ومع رفاقه وإخوانه والناس. وأذكر في هذا المقام لصديق آخر شبه أمي رغم عبقريته قوله عندما سئل إن كان يحب أكثر أخاه أم صاحبه فأجاب إني احب أخي أكثر إن كان صاحبي. ولن أنسى اللقاءات شبه الدورية التي كنا نجريها مع ” ابو فواز” العزيز فايز السنكري وحتى الأيام الأخيرة فقد كان فيها إستعراض شامل لأحوال البلاد والعباد ولرحلة الحياة ومسيرتها في ما بيننا وفي هذه الأمة وبمحبة وشفافية طبعت وعطّرت عشرات السنين وحتى الأيام الأخيرة ولن تزول. وكان على الدوام كبيراً بالقامة والهمة والحكمة والنعمة والعزيمة وبالمباراة الشريفة وبخاصة في زمن الرئيس الحكيم الشهيد الراحل رشيد كرامي وآل كرامي الكرام. كان الزمن أيضاً جميلاً رغم النواقص والشواءب فإن العنوان العريض، أنه كان زمن النضال والسياسة والخدمة والكلمة والوطنية والقومية والمنافسة، وجل وقل زمن أو رجل لاعيوب فيه ولا نواقص أو شوائب.

Back to Top
الذكرى السنوية الأولى لرحيل الدكتور عبد المجيد الرافعي: حديث عن مآثر الراحل | Private Magazine
The website encountered an unexpected error. Please try again later.