Article

Primary tabs

تراث طرابلس في خدمة إنمائها

ترتكز طرابلس، في حضورها المتميّز "بالقوّة" والمتطلّع إلى التألّق "بالفعل"، على عراقتها في المكان الذي انبثقت منه وقامت عليه، وعلى مكانتها في ذاكرة الزمان، وفي حضرة التاريخ الحاضر أبداً في وجدانها، وفي التراث الذي ينبض في شرايينها، فيرسم بألوان الأصالة معالم الجمال في شخصيتها. طرابلس محراب السلام والمحبة والتسامح، الواعية رسالتها، العصيّة على الترهّل والوهن والاستلاب، مدينة العلماء والشعراء والمفكرين والفنانين، والمشهدية الزاهية للحراك الثقافي الذي لم يخفت ألقه على مرّ تاريخها.
تواجه المدينة تحدّيات جمّة وهي تستشرف آفاق حضورها في العقود الآتية، بفعل تعدّد الحاجات وتنوّعها، والتي يتطلّبها السعي الجاد والدؤوب إلى إبراز تاريخها، في إطار الدور الذي يجب أن تضطلع به في ساحة الوطن والمحيط العربي، وما يفرضه تطلّعها إلى الحداثة والتنمية من منظور استثمار مخزونها الثقافي، وما تمتلك في هذا السبيل من بنية تحتية بالغة الثراء والقيمة، إن في نطاق التراث الثقافي المادّي أو غير المادّي، وذلك على قاعدة تشخيص واقع التراث المحلّي وإبراز إشكالياته وتحديد أولوياته وتشجيع المبادرات الآيلة إلى انخراط المجتمع المدني والفاعلين المحليين في توظيف عناصره في الحراك التنموي العام؛ إذ إنّ الحاجة ماسّة جدّاً إلى تظهير معالم المدينة الحضارية والثقافية، وأشكال التعبير الثقافي فيها، وما يرتبط بذلك من تعزيز قدرات العاملين في الحرف والصناعات التقليدية ومهاراتهم، وتوفير التسهيلات الخدْمية واللوجستية، وإطلاق كل ذلك في فضاء السياحة الثقافية، بما يتناسب ويليق بعراقة طرابلس وثرائها الثقافي وأصالة أهلها؛ الأمر الذي من شأنه أن يسهم إسهاماً كبيراً في عمليات النهوض الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمدينة، ويوفّر لها المقوّمات اللازمة لتكون أهمّ المدن السياحية على الشاطئ الشرقي للمتوسّط.
إنّ رفع منسوب الاهتمام بالتراث مرتبط عضويّاً بوعي أهمّيته ودوره في منظومة التنمية المستدامة، وإنّ مسؤولية الاضطلاع بهذه المهمة لا تقع على جهة دون أخرى، بل هي مسؤولية المجتمع بكامله، بدءاً بالتربية وإدراج التراث في المناهج التعليمية، ومروراً بواجبات سائر الجهات الرسميّة المعنيّة بصورة مباشرة، كوزارات الثقافة والسياحة والإعلام. ويوازي هذه الجهات في المسؤوليّة، بل ربّما تتقدّم عليها السلطات المحليّة، وفاعليّات المجتمع المدني، وأهل الأدب والفكر والفن والتراث؛ من غير أن نغفل إسهام القطاع الخاص في هذا السبيل؛ على أنّ الإطار الذي يصون هذه التوجّهات لن يكون إِلَّا من طريق وضع استراتيجية وطنية لحماية التراث، وسنّ التشريعات المناسبة للحفاظ عليه، وإبقائه في حيّز الحيوية والنموّ والتوظيف المجدي. ولا يجب أن يفوتنا في هذا السياق أن نَلفِت إلى الحدث الثقافي الكبير الذي ينتظر طرابلس في السنوات القادمة، ألا وهو إعلان "طرابلس عاصمة للثقافة العربيّة للعام ٢٠٢٣" ؛ وهو ما يقتضي معه إطلاق ورشة عمل ضخمة في كلّ الميادين، لكي تكون المدينة على أهبة الاستعداد لهذه التظاهرة الثقافية الكبرى التي تشكّل فرصة نادرة لحراك غير مسبوق في الحقول الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وما يوفّره من فوائد تعود بالخير العميم على طرابلس بخاصّة والشمال بعامة.
إنّ وضع طرابلس في دائرة الضوء والاهتمام ، ووصل ماضيها بحاضرها ومستقبلها، في سياق التوظيف المناسب لعناصر تراثها المادي والمعنوي، من ضمن خطة تنموية عامة للمدينة، لهو في الأساس واجب وطني، بالنظر إلى واقع الحرمان الذي عانته طويلاً، وما تركته الأحداث والاضطرابات الأمنية فيها على مدى سنوات من أضرار على مختلف المستويات؛ الأمر الذي يفرض وضع كل الدراسات والتقارير التي جرى تنظيمها عن طرابلس في فترات سابقة موضع التطبيق العملي، بعد أن يجري وضع خطّة تفصيلية وروزنامة زمنية للتنفيذ؛ وذلك في الطريق إلى انتشال المدينة من واقع التهميش، من باب توظيف التراث والحراك الثقافي العام الذي يجب أن يستهدف إقناع المواطن بقيمة ما تختزنه مدينته من غنى، وإخراجه من حالة الاغتراب والغفلة عن هذا المخزون الثقافي الكبير الذي لو جرى العناية به واستثماره بالطرائق المناسبة لغيّر وجه المدينة من حال إلى حال، ووفّر لها سبيلاً سويّاً لنهضتها ونمائها وسلامها الاجتماعي.
فيصل طالب
المدير العام السابق لوزارة الثقافة

Back to Top