Article

Primary tabs

دعوى على والدي.. بقلم رئيسة التحرير ميراي عيد

الوفاء خصلة إجتماعية خُلُقية تتمثل في التفاني من أجل قصة ما أو شيء ما، فيكون هذا الوفاء لأناسٍ معينين أعطوكَ الكثير الكثير وحضنوك عندما كنت في أمسّ الحاجة إليهم، عكس كثير من الناس الذين يديرون ظهرهم في مثل هكذا مواقف.
فالإنسان الوفي لا يتنكر ولا يتذمر ولا يكون جاحداً، لأن الوفاء هو أصل الصدق وبمعنى آخر هو صفة إنسانية جميلة، عندما يبلُغها الإنسان بمشاعره ومحسوسياته، فإنه يصل لإحدى مراحل بلوغ النفس البشرية لفضائلها. الوفاء هو صدقٌ في القول والفعل معاً، ومن يفقدهما عندها فقط يكون قد انسلخ عن إنسانيته، هي تلك الصفة التي يتمتع بها أهل الذوق السليم والطبع الكريم، صفةٌ ان دلّت على شيء فهي تدلُ على رقيٍ المرء، وهو يشعر بها دون أن يدركها، والإنسان الوفي يكون وفياً للجميع، لوطنه أولاً لأهله وأصدقائه وعمله.
فأين نحن الآن من هذه الصفة التي توصلك إلى بلوغ كامل إنسانيتك؟
هل انقرضت من الوجود؟ هل تغير المجتمع برمَّته؟ هل تبدَّلت القيم المعترف بها ليصبح الصح خطأ والخطأ صحاً، ما نراه ونسمعه اليوم لهو أمرٌ مخزيٌ ومعيبٌ، الولد يتنكر لأبيه، والأب يتنكر لولده، الصديق يبيع صديقه بأرخص الأثمان، والأنانية تعشش في مُعظم النفوس.
ألا ترى عزيزي القارئ أن هذا العصر هو بإمتيازٍ عصرُ الخيانةِ والإنحطاط، عصر يفتقر للأخلاق، عصر لا يوجد فيه أي نوع من الوفاء، عصر يلامس الإنحراف..
ألا ترى أن الجميع يحذِّر من الجميع «تغدى فيون قبل ما يتعشّوك».
كم فكرت مراراً وتكرارً أن أرفع دعوى على والدي، كم من المرات لِمْته أشدّ لومٍ، كم من المرات عاتبتهُ والحزن يتملكني: «لماذا ربيتنا هذه التربية.. ما الذي فعلناه لك أنا وأخوتي كي تفعل بنا هذا؟!. لماذا زرعت في نفوسنا قيماً وأخلاقاً ووفاءً أصبحت بائدة في عصرنا أو «موضة قديمة» كم غرستَ فينا قيماً إنسانيةً شبه مقروضة في مجتمعنا الحالي فأصبحنا أنا وإخوتي نسخة مصغرة عنك. كم كنت طيباً وشهماً وما زلت تدافع عن مسلماتك ومبادئك الحياتية التي لا تقبل المساومة ولامحل لها في الإعراب في هذا الزمن المهترئ، ونحن أصبحنا كأننا نمشي عكس التيار.. إنه زمن الغدر وقلة الوفاء، زمن لا وجود فيه للأوفياء إلا والدي وأمثاله القلّة القليلين. وكما يقول المثل الشعبي «الدني ما خليت ولو خليت بِليت».
وأنا كوالدي رغم ضبابية المشهد الحالي أقول مثل والدي: «من أين أتيت وأينما كنت، فأنتَ إذا ما حافظت على أخلاقك وإنسانيتك في زمن كل شيء فيه بات متوحشاً، تستحق التقدير عليه والإحترام وكما يقال: «لا تخجل من فضائلك فهي حليٌ يلبسها الأوفياء في كل الأوقات والأزمان..»

Back to Top